نصر حامد أبو زيد

9

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

تمهيد الخطاب الديني والمنهج العلمي القرآن نص لغوي يمكن أن نصفه بأنه يمثل في تاريخ الثقافة العربية نصا محوريا . وليس من قبيل التبسيط أن نصف الحضارة العربية الاسلامية بأنها حضارة « النص » ، بمعنى أنها حضارة أنبتت أسسها وقامت علومها وثقافتها على أساس لا يمكن تجاهل مركز « النص » فيه . وليس معنى ذلك أن « النص » بمفرده هو الذي أنشأ الحضارة ، فان النص أيا كان لا ينشئ حضارة ولا يقيم علوما وثقافة . إن الذي أنشأ الحضارة ، وأقام الثقافة جدل الإنسان مع الواقع من جهة ، وحواره مع النص من جهة أخرى . إن تفاعل الإنسان مع الواقع وجدله معه - بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية - هو الذي ينشئ الحضارة . وللقرآن في حضارتنا دور ثقافي لا يمكن تجاهله في تشكيل ملامح هذه الحضارة وفي تحديد طبيعة علومها . وإذا صح لنا بكثير من التبسيط أن نختزل الحضارة في بعد واحد من أبعادها لصح لنا أن نقول إن الحضارة المصرية القديمة هي حضارة « ما بعد الموت » ، وأن الحضارة اليونانية هي حضارة « العقل » ، أما الحضارة العربية الاسلامية فهي حضارة « النص » . وإذا كانت الحضارة تتركز حول « نص » بعينه بمثل أحد محاورها الأساسية ، فلا شك أن « التأويل » - وهو الوجه الآخر للنص - يمثل آلية هامة من آليات الثقافة والحضارة في انتاج المعرفة . قد يكون هذا « التأويل » مباشرا ، أي ناتجا عن تعامل مباشر مع النص وتوجه قصدي إلى استخراج دلالته ومعناه ، وهذا هو التأويل في مجال العلوم الدينية . وقد يكون التأويل تأويلا غير مباشر ، نجده في مجالات العلوم الأخرى . إن النص حين يكون محورا لحضارة أو ثقافة لا بد أن تتعدد تفسيراته وتأويلاته . ويخضع هذا التعدد التأويلي لمتغيرات عديدة متنوعة . أهم هذه المتغيرات مثلا طبيعة العلم الذي يتناول النص أي المجال المعرفي الخاص الذي يحدد أهداف التأويل وطرائقه . ثاني هذه المتغيرات الأفق المعرفي الذي يتناول العالم المتخصص من خلاله النص ، فيحاول أن يفهم النص من خلاله ، أو يحاول أن يجعل النص يفصح عنه . وغني عن القول أن هذه المتغيرات يصعب أن ينفرد أحدها ويكون هو المتغير المسيطر في عملية التأويل والتفسير ، والأحرى القول إن هذه المتغيرات تعمل في حالة